تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر لسيد كاظم الحائري
114
مباحث الأصول
مبنانا في الحكومة أنّ روحها لا ترجع إلى التخصيص ، بأن يكون الفرق بينهما من ناحية التفنن في التعبير فحسب ، بل تخرج الفرد حقيقة عن العام ، والظاهر أنّ مدرسة المحقّق النائينيّ قدّس سرّه عادة أو غالبا تقول بذلك ، ولكن المختار خلافه ، فلو بنينا على هذا المبنى فدليل الأصل الحاكم يرفع موضوع الأصل المحكوم حقيقة ، ويكون مرجعه إلى الورود . فلو كان كلّ واحد من الطرفين في نفسه مجرى لأصالة الحلّ مثلا ، لكن جرى في أحد الطرفين الاستصحاب المثبت للحرمة ، وقلنا بأنّه يرفع حقيقة موضوع أصالة الحلّ ، فقد انهدم بذلك ظهور دليل أصالة الحلّ بالنسبة لذاك الطرف لغرض ارتفاع موضوعه حقيقة ، وظهوره بالنسبة للطرف الآخر ليس مخالفا للارتكاز ، كي يصبح مجملا ، أو غير حجّة ، فتجري فيه أصالة الحلّ بلا محذور ، فالشبهة لو تمّت فإنّما تتمّ في غير هذه الفروض الأربعة . والجواب عن أصل الشبهة يظهر بالالتفات إلى ما نقوله في تخصيص العامّ بمخصّص متّصل مردّد بين المتباينين ، كما لو قال : « يجب إكرام العالم - أو كلّ عالم - إلَّا زيدا » ، وكان في العلماء شخصان مسمّيان بزيد ، فهذا العامّ إنّما يصبح مجملا في قبال ظهوره في هذا الفرد بعنوانه ، وفي ذاك الفرد بعنوانه ، ولكنّه يبقى ظهوره في عنوان ( الفرد الآخر ) ثابتا ، فقوله : « يجب إكرام كلّ عالم » يكون ظاهرا - لولا التخصّص - في تمام الأفراد ، وقوله : « إلَّا زيدا » بعد فرض عدم صحة إرادة المعنيين منه إنّما أخرج واحدا معيّنا عند اللَّه ، فبالإمكان أن نشير إلى الفرد الآخر ، ونقول : إنّ ظاهر هذا الكلام هو وجوب إكرام الفرد الآخر ، ( أو قل : الفرد الثاني ) ، وهذا الظهور حجّة ، وفائدة ذلك تكوّن العلم الإجماليّ بوجوب إكرام أحد الزيدين . واستشكلنا في ذلك بان هذا إنّما يتمّ لو كان للفرد الخارج بهذا المخصّص تعيّن واقعي ، فيكون للفرد الآخر أيضا تعيّن واقعيّ ، فنشير إليه ، ونقول : إنّ الكلام بظهوره شامل له ، وهذا ثابت في المثال الَّذي ذكرناه ، فإنّ المولى قد أراد من كلمة ( زيد ) في قوله : « إلَّا زيدا » فردا معيّنا عنده ، وشككنا في خروج الفرد الآخر ، أمّا إذا لم يكن الأمر كذلك ، أي : لم يثبت تعيّن واقعيّ للفرد الخارج به ، فلا معنى للإشارة إلى غيره بعنوان الفرد الآخر ، أو الفرد الثاني مثلا ، والقول بحجّيّة العامّ في ذلك الفرد ، وما نحن فيه من هذا القبيل ، لأنّ المخصّص فيه هو الارتكاز ، والارتكاز نسبته إلى الفردين على حدّ سواء ، فلم يثبت تعيّن الفرد الخارج به ، فلو كان في الواقع كلاهما خارجا